اقتصاد

موسم الزيتون.. كلفة تُثقل أهل الشمال وأشجارٌ بعيدة المنال جنوبًا

“ليبانون ديبايت” 

مع دخول تشرين الأول أسبوعه الثاني، تستعيد بساتين الزيتون في لبنان حركتها السنوية. عائلات تنزل إلى الأرض، شباك تُفرش تحت الأشجار، ومعاصر تستعد لاستقبال أولى دفعات الموسم. المشهد مألوف في عكار والكورة ومناطق لبنانية عدة تشتهر بزراعة الزيتون، لكنه يتبدّل كلما اتجهنا جنوبًا، حيث لا يسأل بعض المزارعين عن وفرة المحصول أو سعر تنكة الزيت بقدر ما يسألون: هل نستطيع الوصول إلى أشجارنا وقطفها أصلًا؟

وفق أرقام وزارة الزراعة المعلنة أواخر عام 2025، بلغ عدد أشجار الزيتون في لبنان نحو 13 مليون شجرة، إلا أن هذا الرقم قد لا يعكس واقع البساتين اليوم، بعد الأضرار الواسعة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة في الأراضي الزراعية، ولا سيما في الجنوب والنبطية. فبحسب معطيات نشرتها الوزارة في أيار 2026، بلغت المساحات المتضررة من بساتين الزيتون نحو 6600 هكتار، ما يجعل تحديد العدد الحالي للأشجار رهن استكمال مسح الأضرار وتحديث البيانات الزراعية.

تُشكّل زراعة الزيتون في لبنان مصدر دخل أساسيًا لآلاف العائلات، ويتركز إنتاجها بصورة خاصة في الشمال والجنوب. ووفق بيانات “إيدال”، يستحوذ شمال لبنان على نحو 41 في المئة من إنتاج زيت الزيتون، مقابل 21 في المئة في النبطية و15 في المئة في الجنوب. ويُخصص نحو 70 في المئة من أشجار الزيتون لإنتاج الزيت، فيما يذهب الجزء المتبقي بصورة أساسية إلى إنتاج زيتون المائدة والصابون.

موسمٌ وفير وكلفةٌ مرتفعة

في الكورة وعكار، بدأ قطاف الزيتون في عدد من البلدات. ورغم أن الموسم يبدو مُبشّرًا، فإن وفرة الثمار لا تعني بالضرورة وفرة الأرباح. ففاتورة الزيتون لا تبدأ يوم القطاف، بل قبل ذلك بأشهر، مع العناية بالأرض والأشجار، وصولًا إلى اللحظة التي تُصبح فيها الثمار جاهزة للقطاف.

يعدّد المزارع “أبو يوسف” المصاريف التي يتكبدها صاحب الأرض خلال السنة، بدءًا من “حراثة الأرض وعزقها وتنظيفها وإزالة الأعشاب والحجارة، مرورًا برش الأشجار ومعالجتها وتسميدها، وصولًا إلى القطاف والنقل والعصر”. وهي مصاريف تتراكم قبل أن يعرف المزارع أصلًا كمية الزيت التي سيحصل عليها أو السعر الذي سيتمكن من بيعها به.

وتضيف الحاجة “أم محمد” إلى هذه اللائحة كلفة مستلزمات القطاف، من العبوات المخصصة للزيت والشباك وأمشاط القطاف، وصولًا إلى آلة القطاف وبطاريتها لدى من يستخدمها، وهي نفقات تضاف إلى الفاتورة قبل وصول المحصول إلى المعصرة.

ومع بدء القطاف، تدخل اليد العاملة على الحساب. وبحسب “أبو يوسف”، يعمل في القطاف هذا الموسم في عدّة بلدات عكارية عمال سوريون، إلى جانب لبنانيين من أبناء البلدات نفسها، وقد استقرّ الأجر المتداول لديهم على نحو 20 دولارًا في اليوم للرجل و15 دولارًا للمرأة، لقاء يوم يبدأ قرابة السابعة صباحًا وينتهي عند الثانية بعد الظهر، وتتخلّله ساعة استراحة للغداء.

ويشير جاره “أبو وسيم” إلى أن قلّة العمال المتوافرين للقطاف ضيّقت “هامش المناورة أمام أصحاب البساتين”، خصوصًا أن تأخير القطاف ليس خيارًا مفتوحًا، ما يدفعهم أحيانًا إلى القبول بالشروط المطروحة لتأمين العدد الكافي من العمال وإنجاز الموسم في وقته.

ولا تنتهي الفاتورة مع إنزال آخر حبة عن الشجرة. فهناك كلفة نقل الزيتون من البستان إلى البيت أو المعصرة، ثم نقل الزيت من المعصرة إلى المنزل. أما كلفة العصر نفسها، فقد ارتفعت من نحو 7 دولارات لكل 20 ليترًا من الزيت في الموسم الماضي إلى 10 دولارات هذا الموسم.

وهكذا، تصبح تنكة الزيت في نهاية الموسم حصيلة سلسلة طويلة من النفقات، من العناية بالأرض والأشجار إلى أجور العمال والقطاف والنقل والعصر. لذلك، لا تعني كثرة الزيتون على الأغصان بالضرورة أن يكون الموسم وفيرًا في جيب صاحبه.

جنوبًا.. تعذّر الوصول إلى الأرض

أما جنوبًا، فتتجاوز المشكلة حسابات الكلفة والأرباح، إذ خلّف العدوان الإسرائيلي أراضي زراعية محترقة ومتضررة، فيما بات الوصول إلى البساتين في بعض القرى تحديًا بحد ذاته.

وفي قرى الشريط الحدودي، لا تعني نجاة الشجرة من الحرب بالضرورة أن أصحابها قادرون على الوصول إليها. ففي عين إبل، لا يزال الوصول إلى بعض الأراضي متعذرًا، ولا سيما تلك الواقعة في اتجاه بنت جبيل والطيري وكونين. ويوضح “الحاج علي”، أحد أبناء البلدة، أن الزيتون يشكل موردًا أساسيًا لأهالي عين إبل، التي تضم آلاف أشجار الزيتون وتعتمد عائلات كثيرة فيها على محصولها.

وتبرز دير ميماس نموذجًا آخر لهذه المعاناة، إذ يتعذر على الأهالي الوصول إلى نحو 10 آلاف شجرة زيتون لوقوعها ضمن ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، من أصل نحو 100 ألف شجرة تنتشر في أراضي البلدة، ما يهدد ببقاء جزء من المحصول على أغصانه، لا بسبب ضعف الموسم أو ارتفاع كلفة القطاف، بل لعجز أصحاب الأرض عن الوصول إليه.

وأمام هذه الصعوبات، أعلنت وزارة الزراعة في الثاني من تشرين الأول أنها تبحث مع “اليونيفيل” في تسهيل وصول مزارعي الزيتون إلى أراضيهم وتأمين الأذونات اللازمة للقطاف، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه مزارعو المناطق الحدودية، حيث يصبح الوصول إلى الأرض أول تحديات موسم القطاف.

وهكذا، وبين كلفة تُثقل المزارع شمالًا وأرض قد يتعذر الوصول إليها جنوبًا، يبقى موسم الزيتون هذا العام وفيرًا بتحدياته بقدر ما هو وفير بثماره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى