أمن وقضاء
قانون العفو العام من المجلس الدستوري إلى التنفيذ والأسير ينتظر المحاكمة


انتقل ملف قانون العفو العام في لبنان من معركة الطعن إلى اختبار التنفيذ القضائي، بعدما قبل المجلس الدستوري الطعن الذي قدّمه «التيار الوطني الحر» في الشكل وردّه في الأساس، مع طلب تفسيرات حول عدد قليل من مواده، فاتحاً الباب أمام بدء إجراءات الإفراج عن المستفيدين.
تحدّث مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» عن تقديرات أولية بـ«إطلاق سراح أكثر من ألف سجين في المرحلة الأولى، وفي غضون أسبوعين، تتقدّمهم فئة الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون صدور أحكام بحقهم».
وقال:إن النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، «تواصل مع المدعين العامين في بيروت وكافة المحافظات، وكلّفهم بالتنسيق مع الضابطة العدلية وإدارة السجون، لتسريع إجراءات الإفراج عمّن يستحقون إخلاء سبيلهم فوراً»، مشيراً إلى أن القضاء «استبق قرار المجلس الدستوري وحدد الآلية الواجب تطبيقها في حال ردّ الطعن بقانون العفو، حتى لا يتسبب تأخير الإجراءات بمزيد من الظلم لمستحقي العودة إلى الحرية».
واعتبر مرجع قانوني أن المجلس «فكك الألغام القانونية التي أحاطت بقانون العفو، من خلال تفسير مواده الغامضة وتحديد نطاق الاستثناءات الواردة فيه»، مثنياً على ما أسماه «عدم الاستجابة للمطلب الأساسي في الطعن، الرامي إلى استثناء الموقوفين الإسلاميين من الاستفادة منه، تحت عنوان عدم مكافأة المتورطين في سفك دماء عناصر الجيش اللبناني».
اضافت: أثار القرار أسئلة عن مصير الشيخ أحمد الأسير، واحتمال تفسير قرار المجلس على غير حقيقته، وإمكان عدم استفادته من العفو ليطلق سراحه بعد نحو عامين، إلا أن وكيل الأسير المحامي عبد البديع عاكوم، قلل من هذه المخاوف، واعترف بـ«وجود إشكالية تكمن في أن المجلس الدستوري حدد عقوبة الإعدام (التي ألغيت بقانون) بـ28 سنة فعلية».
اضافت: أثار القرار أسئلة عن مصير الشيخ أحمد الأسير، واحتمال تفسير قرار المجلس على غير حقيقته، وإمكان عدم استفادته من العفو ليطلق سراحه بعد نحو عامين، إلا أن وكيل الأسير المحامي عبد البديع عاكوم، قلل من هذه المخاوف، واعترف بـ«وجود إشكالية تكمن في أن المجلس الدستوري حدد عقوبة الإعدام (التي ألغيت بقانون) بـ28 سنة فعلية».
وأوضح أن الأسير «وإن كان محكوماً بالإعدام من قبل المحكمة العسكرية، فإن هذا الحكم غير مبرم بعد الطعن به أمام محكمة التمييز العسكرية». وقال: «نحن مطمئنون إلى سير المحاكمة أمام محكمة التمييز، واستبدال عقوبة الشيخ السير بحكم مخفف بحيث يسهّل عليه الاستفادة من العفو»، مذكراً بأن فريق الدفاع عن الأسير «تقدّم بطلب لإخلاء سبيله وننتظر أن تبتّ به المحكمة قريباً».
رأى أن «أبرز ما تضمّنه توحيد نطاق الاستثناء المتعلق بجرائم الفساد الواقعة على أموال الدولة، وتأكيد بقاء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإخفاء القسري خارج العفو العام»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه «حدد إطار الاستفادة من القانون، ووضع أمام الجهات القضائية المعنية بالتنفيذ تفسيراً علمياً للمواد التي أثارت التباساً».
وكتبت” الاخبار”: استمرت امس تداعيات قرار المجلس الدستوري حول قانون العفو العام في التفاعل، بعد مقاطعة العضوين السنيين لجلسة مناقشة الطعن وتغيبهما عن الحضور، اذ لم يتوقف الاعتراض السنّي على قرار المجلس عند حدود النتائج القانونية، حيث قرأت مرجعيات نيابية وسياسية سنية فيه مساسًا بالتوازنات التي رافقت إقراره، ما ينقل الخلاف من مضمون تشريعي خلافي إلى سجال حول الميثاقية وحدود التداخل بين الاعتبارات الدستورية والحسابات الطائفية.
وتكمن خطورة هذا التطور، وفقا للمتابعين، في أن تجمع النواب السنّة يرى في القرار تراجعًا عن مكاسب تحققت خلال المسار التشريعي، ما يضعه أمام اختبار تحويل الاعتراض إلى موقف سياسي موحد، من دون الاكتفاء بالاحتجاج على تركيبة الجلسة أو نتائجها، رغم ان الفصل ضروري بين الاعتراض السياسي على القرار وبين تقييم دستوريته، الذي تحكمه النصوص والإجراءات القانونية لا الانتماءات الطائفية للأعضاء.
وكتبت منال شعبا في” النهار”: صَحَّحَ المجلس الدستوري الثغر، فوسّع استثناءات العفو العام وقلّص الاستفادة منه، ليمارس ما لم يمارسه النواب من ضوابط تشريعية وعدالة، من دون انتهاك مبدأ فصل السلطات.
هكذا، نجح في تصويب مسار قانوني، بعيداً من السجالات السياسية، إذ على عكس ما كان يشاع في الأروقة، لم يرَدَّ الدستوري الطعن برمته، بل قَبِلَهُ جزئياً، وأبدى “تحفظات تفسيرية ملزمة”، ليضع مجلس النواب مجدداً أمام مسؤولياته، مع الإشارة إلى أنَّ قراره ملزم للبرلمان والحكومة والأجهزة القضائية، ولا رجوع عنه.
ما الذي تَبَدَّلَ في نص قانون العفو؟ وماذا تعني “التحفظات الملزمة”؟ أولاً، عبارة “التحفظات التفسيرية الملزمة” تعني منع أي تفسير لأيّ من مواد القانون، من أيّ محكمة أتت، بما يتعارض مع الدستور.
يشرح الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين لـ”النهار” أن “القرار حصّن القانون، بحيث قطع الطريق على أي اجتهادات عبر التحفظات الملزمة، لا سيما في المواد التي لم يبطلها. إنما ثمة خشية من تفسيرها خطأ، فأتت هذه التحفظات لتمنع أي تفسير في غير محله”. وعلى الرغم من أن الإبطال جزئي، فقد قلب قرار الدستوري قانون العفو، من خلال إبطال مواد، وتحفظات ملزمة.
ما المواد التي أُبطلت؟
يوضح يمين:
• المادة 2 حيث عبارة “المرتكبة قبل صدور القانون”، بحيث حمل القانون تناقضاً بين هذه العبارة و”الجرائم المرتكبة قبل 1 – 3 – 2026″، فوضع الدستوري حدا زمنيا موحدا للجرائم المشمولة بالعفو والمرتكبة قبل 1 – 3 – 2026، إلا إذا كانت مستثناة. وأبطل عبارتين من البند الخامس المتعلق بجرائم المخدرات، لتوحيد التاريخ المرجعي للجرائم المشمولة بالعفو في 1 آذار.
• في مسألة المحكومين بالإعدام والذين كانوا يستفيدون من خفض العقوبة، جعل الدستوري حكم المحكوم بالإعدام 28 سنة سجنية، أي أنه لا يستفيد من خفض العقوبة مرتين، فيما كان الحكم في القانون 17 سنة سجنية.
• المادة 2 حيث عبارة “المرتكبة قبل صدور القانون”، بحيث حمل القانون تناقضاً بين هذه العبارة و”الجرائم المرتكبة قبل 1 – 3 – 2026″، فوضع الدستوري حدا زمنيا موحدا للجرائم المشمولة بالعفو والمرتكبة قبل 1 – 3 – 2026، إلا إذا كانت مستثناة. وأبطل عبارتين من البند الخامس المتعلق بجرائم المخدرات، لتوحيد التاريخ المرجعي للجرائم المشمولة بالعفو في 1 آذار.
• في مسألة المحكومين بالإعدام والذين كانوا يستفيدون من خفض العقوبة، جعل الدستوري حكم المحكوم بالإعدام 28 سنة سجنية، أي أنه لا يستفيد من خفض العقوبة مرتين، فيما كان الحكم في القانون 17 سنة سجنية.
وفي معطيات “النهار”، يبلغ عدد المحكومين بالإعدام 26، وبالتالي باتت عقوبة هؤلاء 28 سنة سجنية بدل 17. ومن ضمنهم، الشيخ أحمد الأسير الذي كان من المتوقع أن يخرج سنة 2028، قبل قرار المجلس الدستوري. واللافت أن قرار الدستوري حدّد البوصلة العامة للمرحلة المقبلة، بحيث أكد ثابتة في أي قانون عفو عام، هي تكريس معادلة عدم المس بجرائم الفساد والحرب والإرهاب، كأنه تثبت بذلك قاعدة قانونية لا يمكن تخطيها مستقبلا. هذه القاعدة الدستورية انطلق منها المجلس الدستوري، بإجماع أعضائه، ليصحح مسار العفو. فقد اعتبر حرفيا أن “كل فعل يشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبا أو إخفاء قسريا، خارج عن نطاق العفو”.
في المحصلة، ما مارسه مجلس النواب من “بازار سياسي – انتخابي” في تخريجة قانون عفو عام، أبطله المجلس الدستوري، وأعاد بعض العبارات إلى إطارها القانوني السليم، من “إخفاء قسري”، إلى “حرب ضد الإنسانية”، مع كل ما ترتبه من محاسبة ومسؤولية، مما يضع الخيارات التشريعية مجددا على المحك!
يعلق يمين: “كنا نتمنى أن يرتقي القرار إلى أقصى المطلوب، وهو الإبطال الكلي، لئلا يتحول قانون العفو إلى أداة لتبييض الجرائم، لكنه استطاع، ولا سيما باستثناء جرائم الفساد والحرب ضد الإنسانية، تحصين القانون ضد الانحرافات الدستورية الشديدة والمعيبة التي مارسها مجلس النواب بشدة، وتحويله إلى قانون منضبط قدر الإمكان من المقبولية الدستورية، حتى لو لم يصل إلى ذروة المعايير الدستورية، لكون القانون لامس حقوق الضحايا وضرب قاعدة المساءلة والمحاسبة، فعمد إلى تحصينه بالحد الأدنى”.



