منوعات

لا تدفعوا للمبتزّ ولا تحذفوا الأدلة وبلّغوا فوراً

“ليبانون ديبايت” – سمر يموت

رسائل عدّة ترد إلى منصة “بلّغ”، من قاصرات وقاصرين يطلبون المساعدة بعدما وجدوا أنفسهم ضحايا للابتزاز والاستغلال الجنسي عبر مواقع التواصل الاجتماعي. تبدأ الحكاية أحيانًا بتعارف أو محادثة عابرة، قبل أن تتحوّل صور أو مقاطع خاصة إلى وسيلة للتهديد، فيما أضاف الذكاء الاصطناعي خطرًا جديدًا مع إمكان فبركة صور عارية واستخدامها لابتزاز الأطفال والضغط عليهم.

هذه الحالات التي تصل تباعًا إلى الجهات المعنية في لبنان ليست سوى جزء من ظاهرة أوسع بكثير، تكشف الأرقام العالمية حجمها المقلق.

20 مليون طفل تعرّضوا للاستغلال

كشفت “اليونيسف” في تقرير صدر في أيلول 2026، أن نحو 20 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً، أي ما يقارب واحداً من كل خمسة من أطفال من مستخدمي الإنترنت في 21 دولة شملها البحث، تعرضوا خلال عام واحد لشكل واحد على الأقل من “أشكال الاستغلال أو الاعتداء الجنسي الميسّر بالتكنولوجيا”. ومن بينهم، طُلب من نحو 9 ملايين طفل الدخول في محادثات جنسية أو مشاركة صور جنسية رغماً عنهم، فيما نُشرت صور جنسية لنحو 4 ملايين طفل من دون موافقتهم.

خطر الـ “Deepfake”

ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، اتخذ الخطر شكلاً أكثر تعقيداً. ففي دراسة أخرى مشتركة لليونيسف و”ECPAT” والإنتربول، شملت 11 دولة، أفاد ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل بأن صورهم جرى التلاعب بها بواسطة تقنيات الـ “Deepfake” وتحويلها إلى صور جنسية مفبركة خلال عام واحد، ووصلت النسبة في بعض الدول إلى طفل من كل 25 طفلاً.

لم يعد الأمر إذاً يحتاج بالضرورة إلى صورة حميمة حقيقية حتى يبدأ الابتزاز. فصورة عادية منشورة على حساب طفل أو بالغ قد تصبح، بأدوات الذكاء الاصطناعي، “مادة لصناعة مشهد لم يحدث أصلاً”، لكنه يبدو حقيقياً بما يكفي لإخافة الضحية وتهديد سمعتها.

ويشرح المستشار في شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش في حديثه لـ “ليبانون ديبايت” أن الذكاء الاصطناعي دخل سريعاً وبخطورة كبيرة على خط الابتزاز الإلكتروني، خصوصاً مع تطور تقنيات الـ”Deepfake”، إذ “بات بالإمكان استخدام صورة عادية منشورة على مواقع التواصل لإنشاء صورة أو فيديو مزيف يظهر فيه الشخص في مشهد حميم أو مسيء، ومن ثم استخدامه للتهديد وطلب المال أو إجبار الضحية على القيام بأمر معين”.

ولم يعد الخطر مقتصراً على التلاعب بالصورة، كما أشار الطبش، لأنّ “التقنيات أصبحت قادرة على تقليد صوت الشخص وطريقة كلامه وتعابير وجهه بدرجات عالية من الواقعية”. والمشكلة، لا تكمن فقط في وقوع الشخص ضحية لمحتوى مزيف، بل أيضاً في “إمكانية تصديق المحيطين به هذا المحتوى، فيما قد يستغرق إثبات التزوير وقتاً يكون الضرر خلاله قد وقع بالفعل”.

الصور المنشورة… “خزان” للمبتز

الحماية، وفق الطبش، تبدأ من تقليل كمية الصور والمعلومات الشخصية المتاحة علناً على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن ما ينشره المستخدم يُشكل “خزاناً” يمكن الاستعانة به لاحقاً في عمليات التزييف. ومن هنا، يشدد على ضرورة مراجعة إعدادات الخصوصية على “إنستغرام” و”تيك توك” و”فيسبوك” وغيرها، و”عدم جعل صور الأطفال ومقاطعهم متاحة للجميع، بل حصر الوصول إليها بدائرة محددة من الأشخاص”.

ويلفت المستشار في شؤون التكنولوجيا، إلى ضرورة تعليم الأولاد قاعدة أساسية، وهي أن “الصورة التي تخرج إلى الإنترنت قد لا تبقى تحت سيطرتهم، وبالتالي يجب تجنب إرسال الصور أو المقاطع الخاصة، حتى إلى أشخاص موثوق بهم، إذ إن التسريب لا يحصل دائماً بصورة متعمدة، وقد يكون نتيجة اختراق هاتف أو حساب الشخص الذي تلقى المحتوى”.

لكنّ الحماية لا تقتصر على منع الطفل من نشر الصور. فالأهم، أن يعرف القاصر أنه يستطيع إخبار أهله فوراً إذا تعرض لتهديد أو ابتزاز، من دون أن يشعر بالخجل أو الخوف أو الذنب. فالطفل الذي يخفي ما يتعرض له قد يجد نفسه أكثر خضوعاً للمبتز، فيما يسمح تدخل الأهل سريعاً بالتعامل مع المشكلة قبل تفاقمها.

ويشدد الطبش على “ضرورة توضيح أن وقوع القاصر في خطأ، كإرسال صورة من دون إدراك عواقبها، لا يجعله مسؤولاً عن جريمة الابتزاز التي يتعرض لها، وأن المسؤولية تقع على من يستغل تلك الصورة أو يفبرك محتوى ويستخدمه للتهديد”.

لا تدفعوا له… واحفظوا الأدلة

أما إذا وقع الابتزاز، فيختصر الطبش الخطوات الأولى بثلاث قواعد أساسية: “لا تدفعوا، لا تحذفوا الأدلة، وبلّغوا فوراً”. فدفع المال، لا يعني انتهاء الابتزاز، بل “قد يشجع المبتز على الاستمرار والمطالبة بمبالغ أكبر بعدما يتأكد من قدرة الضحية واستعدادها للاستجابة.”

أما الخطوة الثانية، فهي “الاحتفاظ بكل الأدلة”، من المحادثات والرسائل إلى أرقام الهواتف والروابط وأسماء الحسابات والصور، مع أخذ لقطات للشاشة وعدم حذف أي مادة يمكن أن تفيد التحقيق. وفي التطبيقات التي تتيح اختفاء الرسائل تلقائياً، من الضروري حفظ نسخة عنها قبل زوالها.

وتتمثل الخطوة الثالثة في “طلب المساعدة سريعاً”، عبر إخبار الأهل أو شخص موثوق به، والإبلاغ عن الحساب لدى المنصة المستخدمة، ثم التوجه إلى الجهات الأمنية المختصة. ويشدد الطبش بصورة خاصة على ألا يُترك الطفل أو القاصر لمواجهة المبتز بمفرده، بل أن يكون إلى جانبه شخص بالغ يملك المعرفة والقدرة على مساعدته وتقديم الدعم المعنوي له.

في الخلاصة، يعتمد الابتزاز على “الخوف والسرية”، وكلما بقيت الضحية خائفة وصامتة ازدادت قدرة المبتز على التحكّم بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى