البدّاوي أمام كابوس المحرقة القاتل!


عاد كابوس المحارق إلى واجهة النّقاش حول أزمة النّفايات، وهذه المرّة من بوابة الشمال، وتحديدًا من منطقة البدّاوي، إذْ تداولت الأوساط معلومات عن شبهات تواطؤ لتمرير مشروع محرقة تحت مسمّى “التفكّك الحراري” في المنطقة، ما أجّج مجدّدًا الجدل حول هذا الملف العالق في اتحاد بلديات الفيحاء (طرابلس، الميناء، البدّاوي والقلمون).
وعلى الرّغم من أنّ خيار المحرقة ليس جديدًا، إلا أنّ إعادة طرحه اليوم، في خضمّ أزمة الاتحاد، والإيحاء بانسداد أفق الحلول، تكتسب دلالات كثيرة، لا سيّما أنّ إنشاءها كان يحظى بقبول سياسيّ واسع داخل المدينة وخارجها.
وفي هذا السياق، أشارت مسؤولة لجنة متابعة مشاريع طرابلس ناريمان الشمعة (التي تُتابع ملف النّفايات منذ العام 2013) عبر منشور لها، إلى أنّ المجلس البلديّ في المدينة أقرّ في 14 تشرين الأوّل الجاري، طلبًا إلى مجلس الوزراء لتكليف مجلس الإنماء والإعمار إعداد دراسة لإنشاء مطمر بحريّ جديد مقابل محطّة التكرير، وفتح المطمر الحاليّ إلى حين إنجاز البديل. كما وضع العقارات المعنيّة، إلى جانب عقار آخر ضمن النّطاق الجغرافيّ لبلدية البدّاوي، بتصرّف الهيئة الوطنية لإدارة النفايات لإيجاد حلّ مستدام.
وأضافت الشمعة أنّ رئيس الاتحاد وائل زمرلي، تراجع، خلال اجتماع بلديات الاتحاد مع مجلس الإنماء والإعمار أمس، عن قرار بلدية طرابلس الذي اتّخذ بأغلبية الأعضاء، رافضًا استخدام الأراضي المشار إليها لاستخدام مطمر، ومصرًّا على اعتماد الأرض في النّطاق الجغرافي لبلدية البدّاوي، معتبرة أنّ هذه المواقف إمّا تكشف غياب خطّة واضحة لإدارة النّفايات، وإمّا تُمهّد لاستقدام المحرقة.
وأشارت إلى أنّ الأرض المشار إليها كانت قد نُقلت إلى بلدية طرابلس أو خصصّت لها بموجب مرسوم العام 1969 بوصفها أرضًا صناعية، قبل أنْ تُعيد أعمال الضمّ والفرز في نطاق بلدية البدّاوي تصنيفها منطقة سكنية. متسائلة: “هل يصحّ إنشاء محرقة للنّفايات في منطقة سكنية؟”.
وفي سياق التفاصيل، أوضحت الشمعة في حديثٍ لموقع “لبنان الكبير” أنّ خيار المحرقة مطروح منذ نحو خمسين عامًا، معتبرة أنّ مخاطره لم تتغيّر رغم تطوّر التقنيات وتبدّل المسمّيات، من “التفكّك الحراري” إلى “البلازما” وغيرها، ورأت أنّها تُستخدم للالتفاف على مصطلح “محرقة”، المرفوض شعبيًا وبيئيًا.
ووصفت إدارة ملف النّفايات في طرابلس بـ “الفاشلة”، مؤكّدة أنّ التوجّه نحو المحارق “كارثيّ وغير مقبول”. كما انتقدت ترويج بعض الخبراء لهذا الخيار عبر اجتزاء الحقائق وتصويره على أنّه “حلّ سحريّ” رغم أنّ الحرق لا يُغني عن المطامر أساسًا، خلافًا لما قد يتصوّره البعض.
كما لفتت إلى عدم تناسب حجم النّفايات في الاتحاد مع قدرة المحرقة المقترحة، إذْ يتراوح حجمها بيْن 350 و400 طنّ يوميًا، متسائلة عن جدوى إنشاء محرقة بطاقة ألفيّ طن، بعدما كان الحديث عن 500 طن، ما يستدعي استقدام نفايات من مناطق أُخرى. وأوضحت أنّ المحارق تتطلّب تشغيلًا مستمرًّا وتوريدًا دائمًا للنّفايات “وإلّا ستنفجر” وكمّيات كبيرة من الفيول، فضلًا عن كلفتها التشغيلية المرتفعة. واستشهدت بتجربتيّ الهند واليابان، مشيرة إلى أنّ الهند أنشأت عشر محطّات للمحارق أُغلقت بسبب ارتفاع كلفة تشغيلها، فيما تُستخدم في اليابان، ثلاث محطّات لمعالجة أنواع محدّدة من النّفايات التي يُصعب التعامل معها كالنّفايات الطبّية، بما يتناسب مع حجم الحاجة إليها.
*أسباب رفض المحارق*
وعلى الرّغم من إدراك مخاطر المحارق البيئية، تُؤكّد الشمعة أنّ الرّفض يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
أوّلًا، أولوية إعادة التدوير: تُشير إلى أنّ نحو 60 بالمائة من النّفايات في الاتحاد عضوية، فضلًا عن وجود نفايات غيرها قابلة للتدوير والاستفادة منها، وتساءلت: “إذا كنّا قادرين على إعادة التدوير، فلماذا نلجأ إلى الحرق؟”.
ثانيًا، غياب الحوكمة والمساءلة: تستشهد الشمعة بتجربة مصانع الإسمنت في شكّا، لافتة إلى عجز الخبراء والناشطين عن الحدّ من نشاطاتها، وما تُسبّبه من تلوّث للمنطقة، إلى جانب المخالفات الشنيعة في لبنان المرتبطة بالمقالع والكسارات، والتعدّيات البحرية، حيث تعتبر أنّ هذه التجارب السيئة تُثير تساؤلات حول القدرة على ضمان التزام المحارق بالمعايير البيئية.
ثالثًا، الكلفة المرتفعة: ترى أنّ إنشاء المحرقة وتشغيلها يُشكّلان عبئًا ماليًا لا يحتمله لبنان والبلديات، في ظلّ شحّ الموارد المالية وعجز البلديات عن دفع رواتب موظفيها وعمّالها. كما تلفت إلى أنّ المشروع لن يستردّ كلفته ولن يكون مربحًا، حتّى في حال تأمين تمويل خارجيّ وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، مضيفة: “ماذا بعد هذه الخطوة؟ من سيتحمّل تكاليف التشغيل المستمرة؟”.
*بلدية البدّاوي*
من جهته، يكشف مصدر في بلدية البدّاوي لموقع “لبنان الكبير”، أنّ مشروع محرقة البدّاوي طُرح فعليًا خلال الاجتماع الذي خُصّص لبحث ملف النّفايات في طرابلس وسبل معالجته مع رئيس الحكومة نوّاف سلام قبل نحو أسبوع، لكنّه قوبل برفض بعض الحاضرين. وأوضح أنّه رغم المعارضة وعدم صدور أيّ قرار رسميّ مُعلن حتّى الآن، فإنّ قرار تنفيذ المحرقة قد اتُخذ، من دون تأمين التمويل اللازم إلى الآن، فيما يستمرّ البحث عن مصادر لتمويل المشروع وتنفيذه في البدّاوي.
ويلفت المصدر إلى أنّ كلفة المشروع التي ذكرت تُقدّر بيْن 250 إلى 300 مليون دولار، وأنّ تنفيذه يحتاج إلى وقت، مضيفًا: “لقد فوجئنا بهذا القرار، ولكن نؤكّد أنّ تحويل أرضنا إلى مكبّ أمر مستحيل”.
وإذْ يُشدّد على رفض البلدية للمشروع، فهو يُحذّر من أنّ إنشاء محرقة في البدّاوي يعني استقبال أطنان من النّفايات يوميًا من مناطق تقع خارج نطاق الاتحاد، وهو ما وصفه بغير المقبول. كما أثار تساؤلات حول الرّقابة على الانبعاثات ومعالجة الرّماد السام النّاتج عن الحرق، وما يتطلّبه ذلك من تكاليف مرتفعة لإيجاد موقع مناسب لطمره، مختتمًا بالقول: “هل هم مستعدّون لتحمّل هذه التكاليف فعلًا؟ وهل هم أهل لمثل هذا المشروع، أم أنّهم يمضون في تنفيذه من دون اكتراث بالنّاس وتداعياته البيئية والصحية عليهم وعلى الأجيال المقبلة؟”.



