اقتطاعات تتجاوز 80% من مستحقّات الفيحاء… إقفال وتصعيد للضغط على المعنيين!


تلقّى اتحاد بلديات الفيحاء، الذي يضمّ بلديات طرابلس، الميناء، البدّاوي والقلمون، صدمة مالية كبيرة أمس، بعد حسم مبالغ مرتفعة من مستحقّاته ومستحقّات البلديات الواقعة ضمن نطاقه، حيث تجاوزت نسبة الاقتطاعات 80 بالمائة. وتضع هذه الإجراءات البلديات أمام أزمة مالية خانقة، تُهدّد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدّمتها دفع رواتب الموظفين، العمّال والمياومين.
وعلى خلفية هذه الأزمة، عقد الاتحاد اليوم مؤتمرًا صحافيًا طارئًا، عرض خلاله رئيس الاتحاد وائل زمرلي، إلى جانب رئيس بلدية الميناء عبد الله كبّارة، رئيس بلدية القلمون رواد الحلو، وقائد فوج طرابلس الملازم محمّد المصري، وعدد من المعنيين، المستجدّات المالية، وأوضحوا موقف الاتحاد من الاقتطاعات التي طالت مستحقّاته. وغاب عن المؤتمر رئيسا بلديتيّ طرابلس والبدّاوي، عبد الحميد كريمة وحسن غمراوي، بسبب وجودهما خارج البلاد.
وأعلن زمرلي إقفال بلدية الميناء ومركز الاتحاد، باعتبارهما المؤسستيْن الأكثر تضرّرًا من الأزمة (لا سيّما في ظلّ تأخّر رواتب الموظفين والعمّال أربعة أو خمسة أشهر)، إلى حين التوصّل إلى حلّ مستدام. وبالفعل، أُقفلت أبواب البلدية والاتحاد بالجنازير.
وكانت البلديات تُعوّل على هذه الدّفعة لتسديد جزء من احتياجاتها وديونها المتراكمة، ولكن كان من المفترض أنْ تصل وفق المبالغ المخصّصة لها مسبقًا، إلا أنّ ما وصل فعليًا لم يتجاوز نحو 20 بالمائة من المستحقّات، فيما حُسمت قرابة 80 بالمائة منها، ما وضع مدن الفيحاء، أمام واقع بالغ الصعوبة.
وقال زمرلي: “إنّ المبالغ التي وصلت لا تُغطّي مختلف الاحتياجات، وإنّ الاتحاد وبلدية الميناء باتا أمام حائط مسدود، في ظلّ عجزهما عن الاستمرار في العمل من دون موارد مالية كافية”، مضيفًا: “ما حصل شكّل ضربة قاضية للمؤسستيْن، وأدّى إلى اتخاذ قرار الإقفال إلى حين إيجاد حلّ مباشر وجذري”. وتابع قائلًا: “تواصنا مع النوّاب والفعاليات، محافظ الشمال بالإنابة إيمان الرافعي، والوزراء المعنيين، في محاولة لتلافي هذه الأزمة”.
في الواقع، لا ينفصل قرار زمرلي وكبّارة عن دعوات المتابعين للشأن الإنمائيّ والبلديّ في الفيحاء. وفي هذا السياق، دعت مسؤولة لجنة متابعة مشاريع طرابلس ناريمان الشمعة اتحاد البلديات إلى “تسليم مفاتيح البلديات إلى وزير الدّاخلية أحمد الحجّار”، احتجاجًا على حالة الشلل التي فرضتها السلطة المركزية على العمل البلديّ، في إشارة إلى ضرورة أنْ يتولّى الوزير بنفسه إدارة هذه المؤسسات وفق العائدات المُرسلة إليها. وقد لاقت هذه الدّعوة تفاعلًا في طرابلس، لكونها تعكس حجم الغضب من الواقع المالي المتردّي للبلديات، وتُشكّل وسيلة ضغط للمطالبة بمعالجة الأزمة.
وتقول الشمعة لموقع “لبنان الكبير”: “من المستحيل أنْ تتمكّن البلديات من النّهوض بأعبائها اعتمادًا على المبالغ التي أُرسلت إليها، وهي تعود إلى مستحقّات العام 2023 التي صُرِفت بعد تأخير دام ثلاث سنوات كاملة، أيّ بعد أنْ فقدت العملة معظم قدرتها الشرائية بفعل التضخم. وقد صُدم المعنيّون بحجم المبالغ التي جرى اقتطاعها. وما قبضته بلدية الميناء أساسًا، لا يكفي لتغطية نفقات شهر واحد، وحتّى المبالغ التي كان يُفترض أنْ تصل كاملة لم تكن لتكفي إلّا لبضعة أشهر. ومنطقيًا، كيف ستتمكّن البلديات من تغطية رواتب الموظفين والمياومين إلى جانب صيانة الآليات وتشغيل المولدات وسائر المتطلّبات التشغيلية الكثيرة؟”.
وفي هذا الإطار، تستند الشمعة إلى معطيات وأرقام تقديرية تكشف حجم الاقتطاعات التي طالت مستحقّات بلديات الفيحاء. وبحسب هذه المعطيات، تتجاوز مستحقّات بلدية طرابلس 193 مليار ليرة، لم يصل إلى حسابها المصرفيّ منها سوى نحو 30 مليارًا، أيّ بنسبة اقتطاع تُقارب 84.5 بالمائة. أمّا بلدية الميناء، فتتجاوز مستحقّاتها 43 مليار ليرة، فيما وصل إلى المصرف نحو 8 مليارات فقط، بنسبة اقتطاع تُقارب 81.4 بالمائة.
وفي بلدية البدّاوي، تتجاوز المستحقّات 12 مليار ليرة، لم يصل منها سوى نحو ملياريّ ليرة، أيّ ما يُقارب 83.3 بالمائة من الاقتطاعات. أمّا اتحاد بلديات الفيحاء، فتتجاوز مستحقّاته 40 مليار ليرة، في حين لم يصل إلى حسابه سوى نحو 7 مليارات، بنسبة اقتطاع تقارب 82.5 بالمائة.
وبذلك، ومن أصل إجمالي مستحقّات يُقدّر بنحو 288 مليار ليرة للبلديات الثلاث والاتحاد، لم يدخل الحسابات المصرفية سوى نحو 47 مليار ليرة، فيما يبلغ الفارق أكثر من 241 مليار ليرة.
وتُؤكّد الشمعة أنّ بلديات عدّة تسلّمت أموالًا تفاوتت نسبة الاقتطاع بينها، مشيرة إلى أنّ الاقتطاع من حصّة الفيحاء كان الأكبر، نظرًا إلى وجود ديون كبيرة متوجّبة لشركة “لافاجيت”. إلا أنّ البلديات، في جميع الأحوال، لا تعرف الأسس التي استندت إليها الاقتطاعات.
وتُضيف أنّ المطلوب كان إرسال كشوفات تفصيلية توضح قيمة العائدات المستحقّة لكلّ بلدية من الصندوق البلدي المستقل، والمبالغ التي اقتُطعت منها، وما جرى تسديده من الديون المتراكمة، حتّى تتمكّن البلديات من إعداد موازناتها على أسس واضحة، ومعرفة ما لها وما عليها.
وعن الدّعوة إلى تسليم المفاتيح، ترى الشمعة أنّها تُعبّر عن حجم الغضب والاحتقان، لا سيّما أنّ وزارة الدّاخلية ليست في وارد تولّي مسؤولية أربع بلديات واتحاد بلديات، وهي مسؤولية كبيرة وليست سهلة. فيما تعتبر أنّ التصعيد بات ضروريًا في ظلّ غياب الحلول.
وتقول: “نحن مع التصعيد، وإذا لم تلقَ الخطوة التي اتُخذت، استجابة، يجب الانتقال إلى التلويح بالاستقالة، لأنّ حملات الضغط، إذا جرى الالتزام بها ومواكبتها بخطوات عملية، يُمكن أنْ تقود إلى نتائج، وأنْ تُؤكّد جدّية الموقف وصلابته في الوصول إلى حلول. فالبلديات لن تتمكّن من تحصيل مستحقّاتها من دون تحرّك فعليّ، وقد تُقفل أبوابها يوميْن أو أسبوعًا، ولكن ماذا بعد؟ المطلوب اتخاذ إجراءات عملية، وعدم القبول بأيّ حلول ترقيعية قد توقع المعنيين في مزيد من الأخطاء، لتكون النّتيجة مجرّد تنفيس مؤقّت للغضب، فيما تستمرّ الأزمة والأخطاء نفسها”.
احتجاج عمّالي
إلى ذلك، سادت حالة من الاستياء في صفوف عناصر فوج إطفاء طرابلس، بعد إبلاغهم بأنّ المستحقّات المتراكمة عن أربعة أشهر لن يُصرف منها سوى ما يُعادل راتب شهر واحد. وفي سياق التحرّكات الاحتجاجية، أقفل عمّال وموظفو بلدية الميناء مدخل البلدية، مطالبين بصرف الرواتب المتأخّرة وضمان حقوق العاملين وعناصر فوج الإطفاء. كذلك، نفّذ عمّال وموظفو اتحاد بلديات الفيحاء تحركًا احتجاجيًا للمطالبة بحقوقهم وصرف رواتبهم المتأخّرة، وتوجّهوا إلى مكتب محافظ الشمال إيمان الرافعي، حيث طالبوا بالتدخّل لمعالجة الأزمة وتأمين مستحقّاتهم.



