خاص مستقلة

17 تشرين: حين خذل بعض نواب الثورة الناس ونجت الدولة العميقة

بقلم دكتور خليل خليل

لم تكن ثورة 17 تشرين مجرّد صرخة في وجه الفساد والانهيار، بل كانت لحظة استثنائية كسر فيها اللبنانيون حاجز الخوف، ورفعوا صوتهم في مواجهة منظومة سياسية استنزفت الدولة وأهدرت ثروات الناس وبدّدت ثقتهم بمؤسساتهم ومستقبلهم. خرج اللبنانيون إلى الشوارع مطالبين بالتغيير والمحاسبة، مؤمنين بأنّ تضحياتهم قد تفتح الباب أمام مسار سياسي مختلف، يعيد الاعتبار للدولة ولحقوق المواطنين. لكنّ ما تلا تلك اللحظة كشف مفارقة مؤلمة: المنظومة التي انتفض الناس في وجهها صمدت، فيما أخفق بعض الذين وصلوا إلى البرلمان باسم الثورة في تحويل الثقة الشعبية إلى مشروع تغيير حقيقي، أو إثبات أنّهم البديل القادر على كسر قواعد اللعبة السياسية القديمة.

لا يمكن تبرير هذا الإخفاق بقوة الدولة العميقة وحدها. فصحيح أنّ المنظومة تمتلك شبكة مصالح ونفوذ متجذّرة، لكنّ نواب التغيير يتحمّلون مسؤولية انقساماتهم، وصراعاتهم، وعجزهم عن بناء جبهة متماسكة. دخلوا المجلس بتفويض شعبي لمواجهة السلطة ومحاسبتها، لكنّ الخلافات والحسابات الفردية بدّدت جزءًا كبيرًا من هذا التفويض، وتركت الناس أمام مشهد سياسي لم يحقّق مستوى التوقعات التي رافقت انتخابهم.

والأكثر إيلامًا أنّ بعض من رفعوا شعار مواجهة المنظومة انتهوا إلى التقاطع معها في مواقف أو تحالفات أثارت استياء ناخبيهم، فيما كشفت التجربة تفاوتًا في الكفاءة والأداء، وطرحت تساؤلات حول استقلالية بعض القرارات والعلاقات الخارجية ومصادر الدعم. وهذه التساؤلات تستوجب أجوبة شفافة وأدلّة واضحة، لا تبريرات جاهزة ولا اتهامات بلا إثبات. فمن يرفع شعار السيادة والمحاسبة لا يجوز أن يعتبر نفسه فوق المساءلة.

لم ينتخب الناس نواب الثورة ليصبحوا مجرّد وجوه جديدة في مجلس قديم، بل ليغيّروا قواعد اللعبة. ولم يمنحوهم أصواتهم ليكتفوا بالخطابات المعارضة، أو ليتحوّل الخلاف بينهم إلى ذريعة للعجز. فالعمل السياسي يُقاس بالنتائج والمواقف والقدرة على تحقيق الأهداف، لا بعدد التصريحات ولا بذاكرة الشعارات التي رافقت الانتخابات.

لقد استفادت الدولة العميقة من تشتّت خصومها، لكنّ مسؤولية هذا التشتّت تقع أيضًا على من عجزوا عن تجاوزه. ولا يجوز أن يتحوّل تفوّق المنظومة وخبرتها إلى شماعة دائمة يعلّق عليها النواب إخفاقاتهم. فمن اختار العمل العام يتحمّل مسؤولية قراراته، ومن قطع وعودًا للناس مطالب بتفسير ما حقّقه وما أخفق فيه، ومن غيّر مواقفه عليه أن يواجه ناخبيه بالحقيقة.

إنّ المحاسبة لا تعني تخوين الجميع أو إنكار اختلاف التجارب، بل تعني وضع كلّ نائب أمام سجله الفعلي: مواقفه، وتصويته، وتحالفاته، والتزاماته، ومدى انسجام أدائه مع الوعود التي أوصلته إلى البرلمان. فلا حصانة لأحد باسم الثورة، ولا شرعية دائمة تُكتسب من مجرّد الوقوف يومًا في وجه المنظومة.

لقد صمدت الدولة العميقة، لكنّ بعض نواب الثورة أخفقوا في بناء البديل، وساهم أداؤهم وانقساماتهم في تبديد فرصة التغيير. وهذه مسؤولية سياسية لا يجوز التهرّب منها، تمامًا كما لا يجوز إعفاء المنظومة من مسؤوليتها عن استمرار الأزمة.

إنّ الخيبة الحقيقية ليست في أنّ الناس حلموا بالتغيير، بل في أنّ بعض من حمّلوهم أمانة هذا الحلم لم يكونوا على مستوى المسؤولية التي تفرضها تلك الأمانة. فالناس لم تكن بحاجة إلى طبقة سياسية جديدة تكرّر أعذار الطبقة القديمة، بل إلى ممثلين يثبتون، بالفعل لا بالقول، أنّ السياسة يمكن أن تكون مختلفة.

في النهاية، لا يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من الشعارات ولا إلى مديح تجربة لم تحقّق ما انتظروه منها. إنّهم يحتاجون إلى حقيقة واضحة، ومحاسبة جدّية، واعتراف صريح بالأخطاء. فالثورة التي لا تحاسب ممثليها تفقد جزءًا من معناها، والسياسي الذي يطلب ثقة الناس ثم يخيّب آمالهم لا يستطيع أن يجعل من ماضيه الثوري حصانة لمستقبله السياسي.

الدولة العميقة مسؤولة عن حماية مصالحها، لكنّ نواب الثورة مسؤولون عن خياراتهم وإخفاقاتهم. وبين المسؤوليتين، يبقى المواطن اللبناني هو من دفع الثمن الأكبر: خسر ثقته بالمنظومة القديمة، ثم خاب أمله ببعض من وعدوه بالتغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى