اقتصاد

بدء دراسة موازنة 2027 ولجنة المال تطالب الحكومة بالحسابات

بدأت لجنة المال والموازنة درس مشروع موازنة 2027، وفي جدولها ملفات لم تُحسم في الموازنات السابقة، من قطع الحساب إلى الضرائب وهيكلة القطاع العام.
وستجتمع اللجنة ثلاثة أيام أسبوعياً، وقد ترفع الوتيرة إلى خمسة عند الحاجة، حتى تنهي درس المواد والاعتمادات. والهدف إتاحة الوقت للمجلس النيابي لإقرار الموازنة بعد تعديل ما يلزم، قبل انقضاء المهل التي قد تسمح بإصدار المشروع بصيغته الحكومية بمرسوم.

وفي هذا السياق ، كتبت” الديار”: وصول المشروع في موعده يتيح للنواب مناقشته قبل بدء السنة المالية، لكن احترام المهل لا يعفي الحكومة من الإجابة عن مسائل عالقة منذ سنوات، وفي مقدّمها الحسابات المالية.
ولا يكفي انتهاء العقد العادي في كانون الأول لإصدار الموازنة بمرسوم. فالمادة 86 من الدستور توجب على رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، دعوة المجلس إلى عقد استثنائي حتى نهاية كانون الثاني. وإذا انتهى من دون البتّ النهائي بالمشروع، جاز لمجلس الوزراء اتخاذ قرار يُصدر رئيس الجمهورية بناءً عليه مرسوماً يجعل المشروع نافذاً بالشكل الذي قُدّم به، شرط أن يكون قد طُرح على المجلس قبل بداية عقده بخمسة عشر يوماً على الأقل.
في ملف قطع الحساب، لا تكفي إحالة حساب 2022 لإنهاء التأخير، فيما حسابا 2024 و2025 لم يُنجزا والتدقيق لم يكتمل. وتنصّ المادة 87 من الدستور على عرض الحسابات النهائية لكل سنة على مجلس النواب للموافقة عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تليها. وهذا يربط حساب 2025 بنشر موازنة 2027.
أهمية هذه الحسابات أنها تكشف ما جُبي وأُنفق فعلاً، وتسمح بمقارنته بما أُجيز في الموازنة. ومن دونها، يصعب التحقق من الالتزام بالاعتمادات وتحديد المخالفات. لذلك، تبقى المطالبة بها شرطاً لممارسة الرقابة ومعرفة مصير المال العام. فمن دون أرقام التنفيذ الفعلية، لا تكتمل مساءلة الحكومة عن إنفاقها.
وفي الضرائب، تتمسّك اللجنة برفض أي رسوم أو ضرائب جديدة، أو زيادة الأعباء القائمة. فاللبنانيون والمؤسسات لم يتجاوزوا آثار الانهيار والحرب واحتجاز الودائع، وأي زيادة، مهما بدت صغيرة، ستضاف إلى كلفة المعيشة والإنتاج.
وزير المال ياسين جابر نفى، أمام اللجنة، وجود ضرائب جديدة، وشدّد على تحسين الجباية والتحصيل. لكن درس المواد سيحدّد طبيعة الإجراءات: هل تستهدف المتهربين من ضرائب قائمة، أم ترفع رسوماً، أم توسّع نطاق التكليف بما يزيد الكلفة على المكلّفين؟

ويبلغ حجم المشروع قرابة سبعة مليارات دولار، مع استهداف توازن الإيرادات والنفقات. وتحقيق ذلك يتوقف على واقعية التقديرات وقدرة الإدارات على التحصيل. كما أن أي تراجع في النشاط الاقتصادي أو تطور أمني قد يخفض الواردات ويرفع النفقات الطارئة، وهو ما يستدعي التدقيق في الفرضيات المعتمدة.

وتأتي حصة واسعة من الإيرادات من الضرائب غير المباشرة والرسوم على الاستهلاك والتجارة، التي تنتقل إلى المستهلك عبر الأسعار، من دون أن تراعي وحدها تفاوت المداخيل. وهذا يجعل تأمين موارد الدولة أكثر حساسية، مع تراجع القدرة الشرائية وصعوبة استمرار كثير من المؤسسات.
أما الإنفاق الجاري فيستحوذ على قرابة تسعة أعشار الموازنة، تاركاً حيزاً محدوداً للاستثمار العام. ومع ضرورة إنصاف العاملين والمتقاعدين في الرواتب والتقديمات الصحية والاجتماعية، فإن زيادة الاعتمادات وحدها لا تصلح الإدارة. وتبقى إعادة هيكلة القطاع العام وفق حاجاته، وتحسين خدماته وإنتاجيته وضبط الهدر، من الملفات المؤجلة.
كذلك، لا يكفي التوازن المقدّر للحكم على تعافي المالية العامة، ما دامت إعادة هيكلة الدين غير منجزة وسداد اليوروبوندز معلّقاً. فلا بد من تحديد التزامات الخزينة المقبلة ومصادر تمويلها، حتى لا تقتصر القراءة على أرقام سنة واحدة.
ولهذا ، يفترض أن تنسجم الموازنة مع الإصلاح المالي والمصرفي. فالأجواء الإيجابية التي نقلها جابر عن المفاوضات مع صندوق النقد تحتاج إلى نتائج، خصوصاً في معالجة الفجوة المالية وحماية حقوق المودعين وتحديد المسؤوليات والتمويل. وأي التزامات ستتحملها الدولة يجب احتسابها عند تقييم قدرتها المالية.
لا يمكن للموازنة أن تحل الأزمة كلها، لكن لا يصح أن تُعدّ بمعزل عن الإصلاحات المرتقبة. فالمطالب المحلية بالمحاسبة وحماية الحقوق وتحسين الخدمات، واستعادة الثقة الدولية، تحتاج إلى حسابات موثوقة وسياسة مالية يمكن متابعة تنفيذها وقياس نتائجها.
وستستكمل اللجنة درس المواد والاعتمادات لإدخال التعديلات والضوابط اللازمة قبل رفع تقريرها إلى الهيئة العامة. والمطلوب أن تُقرّ الموازنة في موعدها، من دون ترحيل ملف الحسابات والإصلاحات مرة أخرى.
وتحت عنوان ” جابر يرسم ملامح السياسة المالية في لبنان من خلال موازنة 2027″ كتبت سلوى بعلبكي في” النهار”:
تُطرح موازنة عام 2027 في مرحلة اقتصادية ومالية بالغة التعقيد، يتداخل فيها الانكماش مع التضخم وارتفاع كلفة الاستيراد، فيما لا يزال لبنان يرزح تحت تداعيات الانهيار المصرفي، وتراجع الاستثمار العام، والأضرار التي خلفتها الحرب. وفي مواجهة هذا الواقع، ترسم الموازنة ملامح سياسة مالية تقوم على ثلاثة مرتكزات: ضبط الإنفاق وصون الاستقرار النقدي، حماية المواطنين واستمرارية الخدمات الأساسية ضمن الإمكانات المتاحة، وتهيئة الأرضية اللازمة لاستعادة الاستثمار وتحريك عجلة التعافي والاستفادة من فرص التكامل الإقليمي. وبذلك، تقف موازنة 2027 عند مفترق بين احتواء تداعيات الانهيار وإطلاق مسار التعافي، حاملة حزمة من المشاريع والتمويلات والإصلاحات التي يمكن أن تشكل مدخلا لإعادة تنشيط الاقتصاد.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الوعود والاعتمادات المرصودة، بل في القدرة على ترجمتها إلى إنجازات فعلية، عبر تسريع التنفيذ، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام، وحسم الملفات الإصلاحية العالقة، بما ينقل لبنان من سياسة إدارة الأزمات إلى مسار التعافي والاستقرار المستدام. وتكشف المعطيات التي عرضها وزير المال ياسين جابر عن توجه يقوم على احتواء المخاطر الآنية، مع إبقاء الإصلاحات والاستثمارات المتوسطة والطويلة الأجل ضمن الأولويات. إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطا بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تنفيذ الإصلاحات وتحويل التمويلات المتاحة إلى مشاريع منتجة.
في مواجهة الضغوط، تعطي وزارة المال الأولوية للمحافظة على الاستقرار المالي والنقدي، وتجنب التوسع غير المحسوب في الإنفاق أو زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية. ويؤكد جابر أهمية التنسيق مع مصرف لبنان وإدارة السيولة وبرمجة المدفوعات بما يحد من الضغوط على سوق الصرف.

على صعيد الإيرادات، تقوم المقاربة المالية على تحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي بدلا من فرض ضرائب عامة جديدة. ويبرز ملف الأملاك البحرية، حيث صدرت أوامر تحصيل بقيمة تقارب 1.3 مليار دولار، من دون أن يعني ذلك أن المبالغ أصبحت محصلة نهائيا، نظرا إلى حق المكلفين في الاعتراض وسلوك المسارات القانونية..

تسعى الرؤية الاقتصادية المطروحة إلى تعزيز موقع لبنان ضمن شبكات النقل والتجارة والطاقة في المنطقة، من خلال مشاريع تربط شرق المتوسط بالخليج والعراق وسوريا والأردن والأسواق الأوروبية.
وتشمل الأفكار المطروحة تطوير مسارات لنقل النفط من العراق باتجاه شرق المتوسط وتركيا، مع إمكان تفرع مسار نحو طرابلس، وإعداد دراسة جدوى بقيمة 800 ألف دولار لنفق يربط بيروت بالبقاع، إلى جانب دراسة إنشاء منطقة لوجستية في البقاع. كما يُبحث مشروع خط سكة حديد يربط طرابلس بحمص، وتطوير معبر المصنع الحدودي وإنشاء مرافق تجارية ولوجستية ومنطقة حرة، بما يعزز حركة البضائع ويحد من التهريب..
يبقى إصلاح القطاع المصرفي الاختبار الأصعب أمام التعافي، بعد سنوات من الأزمة التي أضعفت الثقة بالمصارف والمودعين ووسعت الاقتصاد النقدي. ويضع جابر إقرار قانون الفجوة المالية في مقدمة الأولويات، باعتباره الإطار الذي يفترض أن يحدد الخسائر وتوزيع المسؤوليات وآلية معالجة الودائع، بالتوازي مع قانون إعادة هيكلة المصارف وقانون السرية المصرفية والاتفاق على إطار مالي متوسط الأجل مع صندوق النقد الدولي.
جابر يطمئن أن “لا خطر على لبنان من إدراجه على اللائحة السوداء، والحكومة تبذل جهوداً لإخراجه من اللائحة الرمادية”.ويؤكد جابر أن مساهمة الدولة في معالجة الودائع يجب أن تراعي استدامة الدين العام وقدرة الخزينة على السداد، وأن أي التزامات نهائية تحتاج إلى أساس قانوني وإقرار نيابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى